السيد المرعشي
463
شرح إحقاق الحق
الاكتفاء بالحلال لا التجرد من الحلال . ورأى المنصور في الدعوة ضد الزهد والفقر تحريضا لعامة المسلمين على أن يستمتعوا بحقوقهم في المال ، ودعوة إلى إثارة التمرد . ولكن المنصور سكت وظن يراقب الإمام جعفر بن محمد ، ما عساه يصنع بعد ؟ لعله يسكت . ولكن الإمام جعفر ظل يناضل بالكلمة دفاعا عن كل آرائه وعن حرية العقل والإرادة وشرف المثقفين ، ورأى التفاف بعض الطيبين الفقهاء حول الحكام من غير ضرورة ، خوفا أو طمعا فقال للناس : إذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا للسلاطين فاتهموهم ، وتخوف كثير من الفقهاء بعد هذا من مخالطة السلاطين والحكام من غير ضرورة . ثم إنه أخذ ينشر من فتاوى الإمام علي وأقضيته ما حرص الحكام والمستغلون على إخفائه ، فأفتى بأنه لا يحق للمسلم أن يدخر أكثر من قوت عام إذا كان في الأمة صاحب حاجة ، حاجة إلى طعام أو مسكن أو كساء أو علاج أو دواء أو ما يركبه . وأفتى بأن السارق إذا اضطر إلى السرقة لا يعمل ، فولي الأمر المسؤول وهو الآثم ، فإذا سرق السارق لأنه لا يحصل على الأجر الذي يكفيه هو وعياله فالذي يستغله أولى بقطع اليد . وكان استبداد المنصور قد استشرى ، وكما فعل الحكام الأمويون من قبل ، بطش المنصور بكل من يخالف رأيه ووجه بطشه إلى آل البيت ، فقد ناهضه بعض أقربائه من آل البيت ، فقتلهم شر قتلة ، واتهم جعفر بن محمد بأنه يحرض عليه ، وبأنه يطمع في الخلافة على الرغم من أنه يعلم أن الإمام لا طمع له في الملك . وخشي المنصور أن يصنع مع الإمام جعفر كما صنع الخليفة الأموي مع عمه الإمام زيد بن علي . وآثر المنصور أن يناقش جعفر فاستدعاه إلى العراق واتهمه بأنه يريد الخلافة . فقال له الصادق : والله ما فعلت شيئا من ذلك ولقد كنت في ولاية بني أمية وأنت تعلم